محمد بن محمد ابو شهبة

605

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

أحد إلا بفداء أو ضربة عنق » وكان هذا اختيارا لما رأى الصديق رضي اللّه عنه . وقد بلغت الفضيلة الإنسانية ذروة كمالها في نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويدعوني المقام أن أقارن بين قولتي سيدنا نوح وسيدنا موسى الآنفتين ، وبين موقف حدث لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرجعه من ثقيف بعد أن عرض عليهم الدعوة الإسلامية فأبوا ، فرجاهم أن يكتموا أمره ولا يبلّغوا قريشا ، ولكن القوم كانوا لئاما ، فما إن همّ بمغادرتهم حتى أغروا به الصبيان والسفهاء يقذفونه بالحجارة ، وصاحبه ومولاه زيد بن حارثة يدرأ عنه ويدفع ، ولكن ماذا يغني زيد في هذا السيل المنهمر من الحجارة ، فأصيب جسمه صلى اللّه عليه وسلم ودميت عقباه ، وسال الدم الزكي على أرض الطائف ليكون شاهدا على لون من ألوان الكفاح في سبيل العقيدة ، حتى ألجؤوه إلى بستان لابني ربيعة وبعد أن استراح قليلا ، دعا اللّه بدعائه المشهور الذي ختمه بقوله : « إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي » . نعم ، فالجراح والآلام والمصاعب ، كلها تهون ما دام في ذلك رضى اللّه ، والنجاة من غضبه . عاد وهو جريح الجسم ، مكلوم الفؤاد ، حزين النفس ، فتبدى له عند « قرن الثعالب » ملك الجبال ، وقال له : « إني رسول من اللّه إليك ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين « 1 » فعلت ؟ ! » ولقد كانت فرصة مواتية للنيل من هؤلاء الذين اذوه ، وأسالوا دمه ، وليذهبوا مع الهالكين الغابرين ، وإن ذهبوا ففي الباقين من ينصر الدعوة ويقيم الإسلام . ولكن لو جاز هذا في حق بشر اخر مهما بلغ من الكمال العقلي والخلقي ؛ فلن يجوز في عقل نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا في أخلاق نبينا محمد ، ولا في منطقه صلى اللّه عليه وسلم ! ! وهو الذي بلغت فيه الفضيلة ذروة كمالها . وانتظر الملك الجواب ، ولم يفكر النبي طويلا ، لأن الأمر بالنسبة له لا يحتاج إلى تفكير ، لأنه يتفق هو وفطرته التي فطره اللّه عليها ، وأخلاقه التي

--> ( 1 ) الأخشبان : جبلان بمكة .